ابن أبي الحديد
58
شرح نهج البلاغة
فيهم ، لعظيم حقهم ، والله إنهم لصبر عند الموت ، أشداء عند القتال - فدعا علي عليه السلام بفرس رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقال له المرتجز ، فركبه ، ثم تقدم أمام الصفوف ، ثم قال : بل البغلة ، بل البغلة ، فقدمت له بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت شهباء ، فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت سوداء ، ثم نادى : أيها الناس من يشر نفسه الله يربح ، إن هذا ليوم ( 1 ) له ما بعده إن عدوكم قد مسه القرح كما مسكم ، فانتدبوا لنصرة دين الله . فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى اثنى عشر ألفا ، قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم ، فشد بهم على أهل الشام ، وهو يقول : دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * وأصبحوا في حربكم وبيتوا حتى تنالوا الثأر أو تموتوا * أولا فإني طالما عصيت قد قلتموا لو جئتنا ! فجيت * ليس لكم ما شئتم وشيت * بل ما يريد المحيى المميت * وتبعه عدى بن حاتم بلوائه ، وهو يقول : أبعد عمار وبعد هاشم * وابن بديل فارس الملاحم نرجو البقاء ، ضل حلم الحالم * لقد عضضنا أمس بالأباهم ! فاليوم لا نقرع سن نادم * ليس امرؤ من حتفه بسالم وحمل وحمل الأشتر بعدهما في أهل العراق كافة فلم يبق لأهل الشام صف إلا أنتقض ، وأهمد أهل ( 2 ) العراق ما أتوا عليه حتى أفضى الامر إلى مضرب معاوية وعلي عليه السلام يضرب الناس بسيفه قدما قدما ، ويقول :
--> ( 1 ) ج ، د : " إن هذا اليوم " . ( 2 ) صفين : " وأهمدوا ما أتوا عليه "